أبي هلال العسكري
338
الصناعتين ، الكتابة والشعر
ومن النثر قول بعضهم : فإنّ أهل الرأي والنّصح لا يساويهم ذو الأفن والغشّ ، وليس من جمع إلى الكفاية الأمانة ، كمن أضاف إلى العجز الخيانة . فجعل بإزاء الرأي الأفن وبإزاء الأمانة الخيانة ؛ فهذا على وجه المخالفة . وقيل للرشيد : إن عبد الملك بن صالح يعدّ كلامه ، فأنكر ذلك الرشيد ، وقال : إذا دخل فقولوا له : ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابن ومات له ابن ، ففعلوا . فقال : سرّك اللّه يا أمير المؤمنين فيما ساءك ، ولا ساءك فيما سرك ، وجعلها واحدة بواحدة ، ثواب الشاكر ، وأجر الصابر ؛ فعرفوا أنّ بلاغته طبع . وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من عمل : شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من نال الدخول فيه . وكتب بعض الكتاب إلى رجل : فلو أن الأقدار إذ رمت بك في المراتب إلى أعلاها بلغت بك من أفعال السؤدد منتهاها لوازنت مساعيك مراقيك ، وعادلت النعمة عليك النعمة فيك ، ولكنك قابلت رفيع المراتب بوضيع الشّيم ؛ فعاد علوّك بالاتفاق إلى حال دونك بالاستحقاق ، وصار جناحك في الانهياض « 1 » إلى مثل ما عليه قدرك في الانخفاض ؛ ولا عجب أن القدر أذنب فيك فأناب ، وغلط بك فعاد إلى الصواب ؛ فأكثر هذه الألفاظ مقابلة وقال الجعدي « 2 » : فتى كان فيه ما يسرّ صديقه * على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا وقال آخر « 3 » : وإذا حديث ساءنى لم أكتئب * وإذا حديث سرني لم أشر « 4 » وهذا في غاية التقابل . ومن مقابلة المعاني بعضها لبعض ، وهو من النوع الذي تقدم في أول الفصل قول الآخر : وذي أخوة قطّعت أقران بينهم * كما تركوني واحدا لا ألحاليا
--> ( 1 ) انهياض الجناح : انكساره ( 2 ) نهاية الأرب : 7 - 102 ( 3 ) نقد الشعر : 79 . ( 4 ) الأشر : المرح والبطر .